محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن أبي مالك هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى قال : مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى . وهذا الذي ذكرت عن أبي مالك أشبه بتأويل الآية ، وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر ذلك في سياق الآيات التي أخبر عنها أنها في صحف إبراهيم وموسى نذير من النذر الأولى التي جاءت الأمم قبلكم كما جاءتكم . فقوله : هذا بأن تكون إشارة إلى ما تقدمها من الكلام أولى وأشبه منه بغير ذلك . وقوله أَزِفَتِ الْآزِفَةُ يقول : دنت الدانية . وإنما يعني : دنت القيامة القريبة منكم أيها الناس يقال منه : أزف رحيل فلان إذا دنا وقرب ، كما قال نابغة بنى ذبيان : أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد وكما قال كعب بن زهير : بأن الشباب وأمسى الشيب قد أزفا * ولا أرى لشباب ذاهب خلفا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس أَزِفَتِ الْآزِفَةُ من أسماء يوم القيامة ، عظمه الله ، وحذره عباده . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قالا : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ قال : اقتربت الساعة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ قال : الساعة . وقوله : لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ يقول تعالى ذكره : ليس للآزفة التي قد أزفت ، وهي الساعة التي قد دنت من دون الله كاشف ، يقول : ليس تنكشف فتقوم إلا بإقامة الله إياها ، وكشفها دون من سواه من خلقه ، لأنه لم يطلع عليها ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا . وقيل : كاشفة ، فأنثت ، وهي بمعنى الانكشاف ؛ كما قيل : فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ بمعنى : فهل ترى لهم من بقاء ؛ وكما قيل : العاقبة وماله من ناهية ، وكما قيل لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ بمعنى تكذيب ، وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ بمعنى خيانة . القول في تأويل قول تعالى : أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا . . . وَاعْبُدُوا يقول تعالى ذكره لمشركي قريش : أفمن هذا القرآن أيها الناس تعجبون ، أن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وتضحكون منه استهزاء به ، ولا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي الله ، وأنتم من أهل معاصيه وَأَنْتُمْ سامِدُونَ يقول : وأنتم لاهون عما فيه من العبر والذكر ، معرضون عن آياته ؛ يقال للرجل : دع عنا سمودك ، يراد به : دع عنا لهوك ، يقال منه : سمد فلان يسمد سمودا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنه ، فقال بعضهم : غافلون . وقال بعضهم : مغنون . وقال بعضهم : مبرطمون . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قوله : سامِدُونَ قال : هو الغناء ، كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا ، وهي لغة أهل اليمن ، قال اليماني : اسمد . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : سامِدُونَ يقول : لاهون . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَأَنْتُمْ سامِدُونَ يقول : لاهون . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : هي يمانية اسمد تغن لنا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : هو الغناء ، وهي يمانية ، يقولون : اسمد لنا : تغن لنا . حدثنا أبو كريب قال : ثنا عبيد الله الأشجعي ، عن سفيان ، عن حكيم بن الديلم ،